تقف هذه السلسلة من الحوارات كل أسبوع مع مبدع أو فنان أو فاعل في إحدى المجالات الحيوية في أسئلة سريعة ومقتضبة حول انشغالاته وجديد إنتاجه وبعض الجوانب المتعلقة بشخصيته وعوالمه الخاصة.
ضيفة حلقة الأسبوع الشاعرة والقاصة منى وفيق
كيف تعرفين نفسك للقراء في سطرين؟
اسمها برنة مشرقية. شاعرة وقاصة من الرباط. لديها 5 إصدارات لا تمثلها الآن أبدا. 3 مشاريع قيد الكتابة في الشعر والقصة والرواية. منسية في البحر واللغة وبيتُها العالم. لديها مسودات تفضل دار نشر قديمة وصديقة وسريعة، عن الجدران أتحدث طبعا.
ماذا تقرأين الآن وماهو أجمل كتاب قرأته؟
أتنقل بين العديد من الدواوين التي أهداني إياها الأصدقاء في معرض القاهرة الأخير للكتاب، أتنقل بين قصائد من مختلف الحساسيات الشعرية، الشعر يبهجني ويشفيني، أعثر على قصيدة فأهرب بها وأختبئ بعيدا لآكلها وحدي فأصاب بحكة شديدة ومن ثم أتشاركها مع الأصدقاء. حاليا أعكف على قراءة نصوص ترجمتها “ضي رحمي” تروقني اختياراتها وترجماتها، هي أجمل وأفضل من يترجم الشعر إلى العربية، أشعر كأنها كاتبة كل تلك النصوص، اختياراتها تقتلني وأود لو أقول لها من هنا أن الشعر يُقبلها بين عينيها. الكتب التي ربتَت على روحي أو أحرقَتها أو حركَت جراحها وحققت أورجازماتها قليلة.. أستطيع أن أشم في 2020 روائح أصحابها كأنني أقرأ لهم للتو “العجوز والبحر” لهمنغواي ”الجميلات النائمات” لياسوناري كاواباتا “مائة عام من العزلة” لماركيز “شيطنات الطفلة الخبيثة” بماريو فارغاس يوسا “الدفتر الكبير” لأغوتا كريستوف.
متى بدأت الكتابة ولماذا تكتبين؟
كنتُ ألعب مع ابنة الجيران في منزلها عندما وقع نظري على ورقة تبدو خشنة ووحيدة، فضولي جعلني أقرأها وكان قلبي يدقّ بسرعة ليس لخوفي من أن يتمّ افتضاح أمري بقدر خوفي مما سأقرأه.. كانت رسالة من امرأة، رسالة تخاطب فيها جسدها.. خبأت الورقة وأخذتها معي إلى المنزل، وبقيت أعيد قراءتها طوال اليوم.. وفي الليل جلست أكتب في الهواء بأصبعي ردوداً متقطعة على تلك الرسالة، كنت أشعر بأن الأحرف ضخمة وثقيلة على الرغم من خفّتها في الهواء، وقررت أن أكتب رسالة أردّ فيها على صاحبة الرسالة السابقة، كانت تلك أول مرّة أكتب فيها، في سنّ الرابعة عشرة إذن كتبت أول نصّ وكنت قبل ذلك كثيراً ما أكتب إلى نفسي، كانت المحادثات التي تجمعني بي كثيرة وطويلة، حتى إنني أستطيع أن أقول إنني طوال حياتي تحدثت إلى نفسي أكثر مما تحدثت إلى الآخرين عندما أكتب فإنني، وفي وجوههم، لا زلت أشهر المرايا، في وجوه من لا يتقبلون أن تكون لهم عدة وجوه والحال أنهم يهربون لكن المرايا تبقى معقوفة داخل مخيلاتهم لأنها كانت من البدء هناك بعد كل هذه السنوات والكتابات، والجوائز، النمائم والحروب، ومحاولات تكسير التجربة من الخارج، بعد تعنيف معنوي ولغوي، بعد نجاحات وانتشار واحتفاء.
تسألني لم أكتب.. حسنا، تملأ الكلمات رأس «منى وفيق» كما لو أنها متفجرات إذا ما تفجرت إحداها ستلحق بها البقية.. إنه دمل يستطيع الانفجار ولا يريده.. وربّما لن يجدي نفعاً أن أقول إنني من حوالي 5 سنوات فقط – متأخرة – اكتشفت أن الحياة أهم بكثير من الكتابة. في عشرات الحوارات التي أجريت معي كنت أجيب إجابات مختلفة عن هذا السؤال وغوغل يحفظ إجاباتي جيدا.. اليوم والآن وليس غدا أقول لك إنني أكتب وأنا غير معنية بالنشر ولا الترجمة ولا الجوائز ولا المهرجانات ولا المتابعين ولا المريدين ولا الانتشار ولا النجاة من الموت أو الحياة .. إنني أكتب الآن لأكون قادرة على الاستمتاع بنفسي لا غير، وغدا عندما يحين الوقت لتفريغ ما خزنته كالقات من حياة ضاجة وصاخبة لم تستطع الهدوء ولم تكن محظوظة به، سأفعل .. سأطفو وسيغرق كل واحد في حوضه ليس حوض الأسماك أعني وإنما حوض المطبخ .. كثير من الظلم لم أنسه وكثير من الكذب والتمادي في التشهير والتخييل لا يُرد عليه إلا بالكتابة لكن ليس الآن بل عندما يصير هؤلاء ممن أعنيهم ألمٌ جدير بمصادفة ألمي ولو لثوان.. وعندما يتداركون تنقية أرواحهم من الشوائب مع مضي الزمن .. في النهاية الأبيض صنيعُ السواد الكامل.
ماهي المدينة التي تسكنك ويجتاحك الحنين الى التسكع في ازقتها وبين دروبها؟
سافرت كثيرا وعدت كثيرا كهارب يعود إلى مكان الجريمة.. إلي.. إلي أنا. عشقتُ مدنا وقرى وأحياء كثيرة وعشقي كدهشتي لا يُعول عليه.. عابر كالشوق.. لكنني ولتتفهمني طنجة حبيبتي السابقة المقبلة، تبقى “لوس بيلوس” وهي قرية على الساحل في تشيلي.. تبقى مكاني الآمن والرحم حيث أتمنى أن أعود وإلى الأبد.
هل انت راضية على انتاجاتك وماهي أعمالك المقبلةَ؟
أنا أنسى يا رضوان، إنني كثيرة النسيان وكثيرة القطيعة مع ما مضى حتى مع كتبي .. لا أعتقد كما قلت قبل قليل أنها تمثلني الآن.. أبدا أبدا.. لكنني أفتقد تلك البراءة التي كتبت بها النص الأول.. أنا لا أفكر في الرضا ولا في الفخر.. الكتابة بديل للأنيبيوتيك.. كل ما تراكم قيح استعنت بالاونتيبيوتيك.. الكتابة أيضا ريجيم وحصص رياضية قاسية لأتخلص مما راكمته من دهون وأشخاص وحكايات وأحاسيس.. لكل إنتاج مقام وحالة ووعي.معين. أنا ما كنتُه لكن ليس ما أنا الآن.. مجملا، الرضا خطيئة وأنا شخص مزاجي جدا وتوقه للاختبار والتجريب يجعله غير قابل للرضا يوما.. بالمطلق وأعرف. أشتغل حاليا على ديوان جديد، قمت بالتخلص من نصف نصوص الديوان بل أكثر من النصف.. وأقول لك ما أقوله لنفسي إن لم تكن به إضافة حقيقية فلن أطبعه حتى لو استمررت في الاشتغال عليه لسنوات.. رؤاي وقناعاتي وكثير من الأمور تغيرت.. في السابق كان هناك جموح وعشق واندفاع للنشر لكنني اليوم أرى الأمور بشكل مختلف في السابق كان هناك إخلاص للكتابة واليوم أضيف التقدير.. في رأسي مجموعة قصصية كاملة سأتفرغ لها مستقبلا ورواية وحيدة سأكتبها عندما تقتنع الحياة بأن تحدث لي بشكل أهدأ حتى أجد وقتا وشساعة للكتابة.
متى ستحرقين اوراقك الابداعية وتعتزلين الكتابة بشكل نهائي؟
هاهاهاهاها أضحكتني.. عندما أموت.. الشعر كما يقول ليونارد كوهين مجرد دليل على الحياة. فإذا كانت حياتك تحترق، فالشعر ليس إلا مجرد رماد. آخر نص سأكتبه سيكون قارئه الوحيد عزرائيل أو أيا كان من سيقبض روحي..
ماهو العمل الذي تتمنين أن تكوني كاتبته وهل لك طقوس خاصة للكتابة؟
كلما تعثرتُ بنص قوي وجديد كأنه يحدث لأول مرة، قلت لابد أن أَلَمَ صاحبه قوي.. النص الأجمل من نصي لا يعني بالنسبة إلي إلا شيئا واحدا وهو أنه ألمه أقوى من ألمي.. نادرا ما ضربت كفا بكف أو عضضت على شفاهي أو أغمضت عيناي وأنا أزمت شفتي وقلت ”تبا له فعلها وسبقني اللعين/اللعينة إلى هذه الكتابة وبهذا النفاد.. ومع هذا لا يوجد عمل أتمنى لو كنت كاتبته ربما أتمنى لو أكون حالة عابرة داخله أو أحد شخوصه الكومبارس أشم روائح الشواء هناك وأتذوق المرق وأستغني عن الحجل.. أسمه ما تشاء، اعتدادٌ بآلامي وحياتي واختلافهما واستثنائيتهما، غرائبية، اكتفاء بتاريخ صغير موثق وغير معني بجغرافيا الآخرين… أسمِه ما تشاء.. طقوس في الكتابة؟؟ الكتابة نفسُها وفقط هي مختلف كل الطقوس لما أفعل في حياتي.. إنني أكتب طوال الوقت.. طوال الوقت.
ماهو تقييمك للوضع الثقافي الحالي بالمغرب؟ وهل للإعلامي والمثقف دور فعلي ومؤثر في المنظومة الاجتماعية التي يعيش فيها ويتفاعل معها أم هو مجرد مغرد خارج السرب؟
لم تعد لدي آراء.. الآراء اليوم كالمؤخرات والكل بلا استثناء يملك واحدة من يفهم ومن لا يفهم و من لديه فعلا ما يقول ومن ليس لديه ما يقول.. الكل يكتب ويحلل ويناقش ويأخذ دور المؤثر وأنا لا أريد أن أفعل أي شيء من كل ذلك.. فوضى واستسهال ووو ما أكثر الواوات.. وريثما يغربل الزمن أحبذ أن أكون غير شائعة ومنسية في نفسي والهباء.. أن أكون ما يضيع .. إن ما يشغلني الآن وكثيرا مؤخرا أنا الكسولة هو كلمة قريبة أستنسخ منها حرف الذال المعجمة لأن كيبور اللابتوب غير عربي بصدق ليس ما يشغلني غير الجلوس إلى نفسي في كل الأوقات، فالشعر يلح علي.
ماذا يعني لك العيش في عزلة إجبارية وربما حرية أقل؟وهل العزلة قيد أم حرية بالنسبة للكاتب؟
كنت أتأمل طوال هذا الصباح الطائر في القفص.. إنه كناري أعتني به من حوالي السنة.. ريشه العالق في القفص هنا وهناك.. بعد تجربة الحجر الصحي اصبحت أفكر في كل المسجونين في العالم والطائر إحداها لكنني خفت عليه من الأطفال والقطط ومن أن لا يحتمل حريته فإما أن يخرج لسجن أكبر وإما أن تتسبب حريته المزيفة في موته.. إننا في قفص مماثل منذ الازل وليس الآن فقط مع كورونا الخ .. الحرية في أن أفعل ما أريد دون أن أؤذي أحدا.. وأنا حرة منذ قذف بي إلى هذا الكون.. أركض وراء ما أشتهيه وأترك الآخرين ينعمون بحرياتهم دون أن أدس حريتي في حرياتهم.
شخصية من الماضي ترغبين لقاءها ولماذا؟
أووه شخوص كثيرة: كوازيمودو لأنني أريد مواعدته أردتُ ذلك دائما.. أريد أن أعانقه من الخلف وأدس وجهي في حدبته.. أريد أن أدعو نفسي إلى الغذاء مع محمد زويتة قاتل مغربي متسلسل مات منتحرا.. لقد كان صديقي الوحيد لأشهر عديدة وأنا أكلمه لدقائق قبل أن أنام.. كنت كل ما سافرت لكازابلانكا أطلب من سائق التاكسي المرور بالقرب من محل سكناه وكنت أشم رائحة غذاء قديم كان يطبخة لخليلته ”طنجرة الضغط تتكتك وهي تخبر عن اللحم والبازلاء والقوق.. وكنت أشم رائحة المندرين.. أيضا” بيسوا كذلك أحبه حد الغيرة.. بل كل قبيلتي الشعرية والوردة السوداء التي كان يلزمها مثلي القليل فقط لتكون ”ويتني هيوستن” أريد أن أمرر أنفاسي وأنفي بين ضلوعها بين كل كمان وكمان هناك.. و”آيمي والينهاوس” بإمكاننا أن نكون وحيدتين معا بشكل أفضل وأسعد.. إنها في روحي كفتافيت الزجاج وتحت ندبي أريد أن أعانقها طويلا.. أيضا أريد أن أخرج أورسولا من رواية ماركيز ونجلس لنشرب الشاي مع والدتي أتخيلهما معا الآن وراء السور هناك.. أشخاص كثر كثر رسوم متحركة كثيرة وحيوانات وحتى الجينز الذي طويته لأشهر عديدة وتركته في خزانة ملابسي وأنا طفلة ولما عدت إليه وجدته أجمل مما تركته.. أود لو أعود لكل المقيمين في الماضي.. لذكرياتي ولمن أحببتهم وتمنيت لو ألتقيهم ولم أفعل.. الماضي أكثر شساعة ورحابة.. أصدقه ويربت علي بدون مقابل.
ماذا كنت ستغيرين في حياتك لو أتيحت لك فرصة البدء من جديد؟
من قال أنني أريد أن أبدأ من جديد.. إنني أتوق للانطفاء للبدء حيث لم أكن شيئا ولا أريد أن أكون شيئا لا أريد حيوات مقبلة أريد الانكسار مثلا والعودة لملامسة قاعي حيث كما قلت لم أكن شيئا ثم لو تم إجباري على البدء من جديد سأختار نفس من وما اخترت وسأرتكب أخطاء أكبر .. لأنني سأذهب إلى أقصى مدى الأشياء والأشخاص..
كيف تتعايش الكتابة الابداعية مع الصحافة تحت سقف واحد في حياة المبدعة منى وفيق؟
كنت وسأبقى فري لانس.. لا أجيد ولا أحب ولا أعرف الكتابة تحت الطلب.. أكتب بمزاج وحسب الشهية سواء في الصحافة أو في الأدب.. ونحن الثلاثة ليس لدينا سقف نقيم تحته.. ولا سماء.. نقيم بالطول هناك في الكهوف أو المناجم المهجورة.
إلى ماذا تحتاج المرأة المغربية لتصل إلى مرحلة المساواة مع الرجل في مجتمعنا الذكوري بامتياز. إلى دهاء وحكمة بلقيس أم إلى جرأة وشجاعة نوال السعداوي؟
ببساطة لشيء واحد وأهم وأجدى: ألا تكون المرأة ابتداءا عدوة للمرأة عدوة لنفسها.. يا عزيزي لقد رحلت فاطمة المرنيسي وتركت الحريم خلفها.. خلفها.
لماذا تمت مصادرة ديوانك: فانيليا سمراء. ورفع دعوى قضائية على ناشره ثم تكفيرك من طرف مفتي عمان؟
إنها قصة قديمة وقصص هذا الديوان لا تريد أن تنتهي فبعد مصادرته في 2008 وبعدها بسنوات تم اعتباره من الكتب العشرة المسيئة للإسلام هاهو الآن في المكتبة الوطنية الإسرائيلية الخ.. لقد شَكَلوا نصهم الذي لا أعرفه وكفروني بمباركة مفتي عمان وشتموني وحقدوا علي ودعوا علي وتم اقتياد الناشر الجميل إلياس فركوح ودار أزمنة للمحكمة واتهامنا بالإساءة للذات الإلهية وللنصوص القرآنية الخ.. ما لا يعرفه هؤلاء الذين كالوا لي الشتائم والأحقاد أن فرصا كثيرة طرقت عالمي بالقوة وأدرت لها ظهري كي يبقى صلبا وهشا وروحي لتبقى صافية. لكنني مدينة لهذا الديوان لأنني بسببه عشت أجمل قصة حب في حياتي.. وهذا أقوله لأول مرة وذاك كان جدوى الشعر ..
أجمل وأسوأ ذكرى في حياتك؟
الأسوأ كان بلا شك موت أمي من 5 سنوات ونيف.. لقد تغيرت حياتي للأبد فأمي كانت الأخضر الذي اندلق في وتلاشى للأبد.. موتها أسوأ يوم في حياتي في الواقع متنا سوية ذلك اليوم.. لدي ذكريات جميلة تكفيني لأعيش بها أكثر من عمر لكن ستبقى أجملها عندما كنا أنا وأمي نجس متقابلتين في زاويتي غرفتها.. تقرأ هي القرآن وتبكي وأسمع أنا ويتني هيوستن وأبكي ونتفق معا في الأخير على أن وجع القلب أهون بكثير من وجع الجوانح.
كلمة أخيرة أو شئ ترغبين الحديث عنه؟
أهدي هذا الحوار لكل الأشخاص اللطيفين الذين يكاتبونني ولكسلي وانشغالي بأشيائي عدم هدوئي لا أرد عليهم إلا نادرا وأقول لهم أنني أحبهم وأنهم لو يودون الاقتراب من عالمي أو معرفتي أكثر فهذا الحوار فرصة لملامسة روحي ولو من بعيد.. في الحقيقة أنا مدينة لهذا الحوار لأنه مكنني من الجلوس لنفسي وعوض أن أعض يدي كي لا أرسل ايميلا معينا بدل أن أعض يدي التي تأكلني رقنت إجابات أسئلتك.. شكرا لك رضوان وتحياتي لأهلي في الناضور ولا بد لنا من لقاء .أيها الريف الآسر..