رشيد بوهدوز
في العادة، حين يُعتقل كاتب بسبب أفكاره، تتسابق المنظمات الحقوقية والأقلام الحرة لإعلان رفضها، لتذكير العالم بأن الفكر لا يُحاكم، وأن الكلمة لا توضع في قفص الاتهام. لكن في حالة بوعلام صنصال، لم يحدث ذلك.
مرّت أسابيع على تثبيت الحكم عليه، ومع مرورها تحوّلت الصدمة إلى مجرد خبر قديم. لكن ما بقي يتردد في ذهني ليس صورة الكاتب وهو يُسجن، بل ذلك الصمت الثقيل الذي تلاها. صمتٌ غريب، موحش، ومؤلم أكثر من فعل القمع نفسه.
فعلت ما يفعله كل من يشعر بالظلم: ذهبت أبحث عن صوت العدالة. قلبت مواقع المنظمات الدولية، راجعت بيانات الهيئات الحقوقية، انتظرت مواقف من أولئك الذين عُرفوا بأنهم “الضمير اليقظ”. كنت أبحث عن صرخة، أو على الأقل همسة غضب. لكنني وجدت في الغالب صمتاً بطعم الخذلان.
هذا الصمت، بصراحة، ليس مجرد تقصير. إنه خيانة لمبدأ، وانهيار لمفهوم “الضمير الحقوقي” نفسه. أن يصمت النظام، مفهوم. أن تصمت مؤسسات الدولة التي اعتقلته، متوقع. لكن أن تصمت منظمات وُجدت أصلاً للدفاع عن أمثاله، فذلك أمر لا يبرره شيء.
أعرف أن هناك من سيقول: “نختار معاركنا بحذر”. ولكن منذ متى أصبح الدفاع عن كاتب سبعيني كتب عن التاريخ والهوية “معركة صعبة”؟ لم يحرّض على عنف، لم يهدد استقرارًا. كل ما فعله هو الكتابة عن وجع مشترك، عن ذاكرة نُريد لها أن تُنسى، فوجد نفسه سجينًا.
أكثر ما يؤلم في هذه القضية، أن صنصال لم يُترك وحيدًا فقط من قبل البعيدين، بل حتى من قبل الأقربين. لم نسمع شيئًا يُذكر من منظمات حقوقية في تونس، أو موريتانيا، أو حتى المغرب. والسبب؟ التضامن معه صار يُفهم، ضمنيًا، كموقف سياسي من الجزائر، لا كموقف إنساني.
هكذا، بكل بساطة، تحوّل التضامن إلى تهمة، وصار المثقف مطالبًا بأن يتفقد جواز سفر الضحية قبل أن يرفع صوته.
يبدو أن هناك “كاستينغ” غير معلن لدور “الضحية المقبولة دوليًا”. ضحية تكون قصتها قابلة للتسويق، لا تُحرج الحلفاء، ولا تعقّد ملفات الطاقة. من لا يدخل هذا القالب، يُترك ليواجه مصيره في الظلام، خارج تقارير المنظمات، وبعيدًا عن أضواء الإعلام.
والواقع أن خريطة المصالح الجيوسياسية تُطبع فوق خريطة المبادئ. من الصعب ألا ترى أن صوت أنابيب الغاز نحو أوروبا صار أعلى من صوت زنزانة يُقفل بابها على مثقف. من الصعب ألا تشعر بأن المبادئ تُعامل كترف، يُمارس فقط عندما لا يُكلّف شيئًا.
ثم يأتي التبرير الأكثر شيوعًا: “نعمل في بيئات حساسة، لا نستطيع المخاطرة”. أفهم هذا جيدًا. أعرف أن الحقوقي في بلداننا يسير فوق حبل مشدود. لكن متى يتحوّل الحذر إلى جبن؟ ومتى يصبح الصمت تواطؤًا؟ صمت الجار حين يرى النار تشتعل في بيت جاره لا يسمى حكمة، بل انتظارًا لأن يصله الحريق.
لنكتب، لنرفع الصوت، لا لأننا نضمن أن يسمعنا العالم، بل لأننا نرفض أن نكون جزءًا من صمته. لأن الصمت، حين يصبح خيارًا، هو أول مراحل الهزيمة.
بوعلام صنصال ما يزال في زنزانته.
لكن الصمت الذي يحيط به، هو زنزانة أكبر بكثير.




