الرئيسية / الأمازيغية / فيلم “وليلي” مسح بانورامي للبؤس المفروض والسعادة المزيفة

فيلم “وليلي” مسح بانورامي للبؤس المفروض والسعادة المزيفة

محمد زروال (بني ملال)

استمر المخرج المغربي فوزي بنسعيدي في فيلمه الأخير” وليلي” في سبر أغوار المجتمع المغربي والتنقيب داخل متاهاته، وتناقضاته المعقدة، حين عاد إلى مدينته مكناس ونواحيها لينحت لنا فيلما، فيه الكثير من البحث الاجتماعي، والمتعة البصرية السينمائية، وذلك بعد أفلام ناجحة أخرى أشهرها ” موت للبيع” و” ألف شهر”، للإشارة فهو من بين الأسماء البارزة ف المشهد السينمائي المغربي خلال السنوات الأخيرة، بفضل طبيعة أفلامه، واختياراته التيمية والجمالية.
أول ما يتبادر إلى ذهن المشاهد بعدما يصل إلى جنيريك النهاية، عنوان الفيلم “وليلي” وعنوان فرعي ” الحب والحكرة”، فالكل يعرف أنها مدينة أثرية قديمة غير بعيد عن مدينة مكناس، ذات التاريخ العريق أيضا، ارتبط وجود وليلي بالرومان، وإن كانت من قبل مركزا موريا( أمازيغيا) مثلما تؤكده الأبحاث الأثرية، بمعنى ما الذي يجمع بين موضوع الفيلم ورمزية وليلي وآثارها ؟.
خصص المخرج لقطات قليلة لهذا الموقع، من بينها لقطة غاطسة للفسيفساء الجميلة التي تميز أرضية البنايات بوليلي، والتي تحكي عن الأساطير والآلهة القديمة، ولقطة أخرى ضد الغاطسة، للبطلين عبد القادر ومليكة في لحظة فرح وبجانبها في الإطار عمودين واقفين من أعمدة المعبد، لكنهما مرممين، وفي هذه اللقطة يمكن المقارنة بين وضعية العمودين والزوجين. واللقطة الأخرى البارزة في الموقع هي التقاء البطلين بوفد من السياح الصينيين بملابس أنيقة وكل واحد يملك هاتفا ذكيا، يتجهون نحو قوس النصر بينما يتجه البطلان للخروج من الباب الشمالي، فهل نقرأ هذا العنوان بعمق جذور هذا النوع من الاستغلال والسلوكات المشينة، وقدم التفاوتات الطبقية التي جعلت محورا أساسيا للفيلم، أم أن المخرج أراد أن يعيد الاعتبار لهذا الموقع الأثري الذي يرتبط بمدينة مكناس مسقط رأسه؟

” يقربنا فيلم ” وليلي” لفوزي بنسعيدي من واقعنا الاجتماعي بلمسة فنية مذهلة، تبرز سادية ملاك الثروة، وسعادتهم المزيفة، التي تقدمها المظاهر من سيارات وبنايات وأثاث ومسابح، وخدم، وفي المقابل تقربنا من آمال وأحلام وأزمات الطبقة الفقيرة، التي تتصارع مع الحياة وبطش الأغنياء “


تنتقل الكاميرا بتناغم بين فضائين متناقضين، ويشكل عبد القادر ومليكة في بنية السرد صلة الوصل بينهما، وهنا يبرز الذكاء في كتابة السيناريو، الذي يسهل العملية أثناء المونتاج، فالمشاهد يجد داخل الفيلم مبررات هذا العبور من فضاء المسحوقين والمعدمين، إلى فضاء الميسورين والمحظوظين، والعكس صحيح، عبر تتبع تنقلات ومواقف البطلين. لقد جعلنا المخرج فوزي بنسعيدي نقف بكل وضوح وبطريقة سلسة على حجم التفاوتات بين الحياة التي تعيشها الطبقتين الاجتماعيتين، ويمكن ملامسة هذه الجوانب في ما يلي:
_ نبدأ بالعمارة، وهي الواجهة الأولى البارزة في الفيلم، منذ اللقطة الأولى لسيدة تنظف الزجاج في موقع سياحي معزول، لا يقصده إلا الميسورون، بينما يشتغل به التعساء، وهو ما يكثفه السوق الممتاز في المشاهد التالية. تتوالى المشاهد فيبرز الحي السكني الشعبي حيث كل شيء يوحي بالبؤس والحرمان، من سحنات الشخصيات، والأكياس البلاستكية المتطايرة والمنتشرة هنا وهناك، والعربات التي تجرها الدواب، كلها إحالات على وضع اجتماعي مزر، قدمته لنا الكاميرا في حركات مختلفة، وأساسا البانورامية، وعندما ندخل إلى المنازل، نجد غرفا مشتركة، وجدران تعج بالخراب، وأثاثا متواضعا. وحين تنتقل الكاميرا إلى مكتب البورجوازي بعد المعاملة( السيئة) لزوجته في السوق الممتاز، نصبح في فضاء مفتوح بأثاث ثمين، وواجهة تشرف على البساتين، والملاعب الرياضية، أما المنزل الذي قصدته البطلة للعمل كخادمة فهو أكثر شساعة وتجهيزا، وهذا ما صرحت به لزوجها بالموازاة مع حركة للكاميرا( ترافيلنغ) داخل المنزل تختزل الكثير من الكلام، حيث الغرف الواسعة واللوحات الفنية، والأرائك النفيسة، من أجل أن نلمس ما يميزه عن منزلي البطلين، حيث قاعة الجلوس مخصصة للأكل والنوم وغيرها من الأنشطة.
_ زاوية أخرى يمكن أن نقارب منها هذا التفاوت وتتجلي في اللباس والمأكل والقيم، فالمعدمون، قدمهم المخرج بلباس بألوان باهتة، غير متناسقة ، تكشف عن قدمها، وأماكن شرائها، إضافة إلى أن ملابس النساء محتشمة حسب معايير الطبقة التي ينتمون إليها، وحين ارتدت البطلة لباسا يكشف عن ركبتيها، ويظهر شكل خصرها، تعرضت للتحرش واعتبره زوجها لباسا عاهرا، بينما قدم الأغنياء بملابس أنيقة، وألوان زاهية، ولا تطرح لهم أي مركب نقص من حيث الأخلاق خاصة ملابس النساء التي تبرز مفاتنهن. أما الطعام فلأسرة المعوزة تجتمع على أكلة ” الطاجين”، ولا يجد المتأخر مكانه للأكل، وشرابهم قنينات مياه غازية ملونة رخيصة، بينما الطرف الثاني يستمتع بما لذ وطاب من الحلويات والمشروبات الكحولية المختارة، وبخصوص القيم التي يصعب فصلها عن اللباس والسكن والمأكل، فإنها تتفاوت أيضا فالدفاع مثلا عن الشرف والغيرة على النساء نسبي بين الطبقيتين، إذ أن عبد القادر طارد المتحرش بزوجته، بينما فضل البورجوازي العودة إلى المنزل وترك زوجته في جلسة خاصة مع أحد عشاقها، هذا الشرخ في العلاقات الاجتماعية عند الأغنياء قدمه المخرج كذلك في لقطة التجسس على الفيلا، إذا تبادلت الزوجة( مونة فتو) القبلات مع أحد أصدقاء زوجها، في الطابق العلوي وهما في لحظة انتشاء بالخمر، وكان التعبير عن الاستغراب باديا على وجه البطل في لقطة مقربة، تغيرت فيها ملامحه.
يقربنا فيلم ” وليلي” لفوزي بنسعيدي من واقعنا الاجتماعي بلمسة فنية مذهلة، تبرز سادية ملاك الثروة، وسعادتهم المزيفة، التي تقدمها المظاهر من سيارات وبنايات وأثاث ومسابح، وخدم، وفي المقابل تقربنا من آمال وأحلام وأزمات الطبقة الفقيرة، التي تتصارع مع الحياة وبطش الأغنياء، وأحسن ما ختم به المخرج فيلمه لقطة ليلية مفتوحة على سماء تنيرها مفرقعات إعلانا عن بداية سنة جديدة، ومسار ومصير جديدين.

عن le24

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *