بقلم، إلياس الخطابي
منذ سنوات طويلة، ظل الحديث عن الأمازيغية في المغرب محاطا بكثير من الشعارات وقليل من الإنجاز. فبعد عقود من التهميش، جاء الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية ليعطي انطباعا بأن صفحة جديدة قد فتحت، وأن مرحلة الإنكار قد انتهت، وأن المشروع الثقافي والحضاري للأمازيغية سيدخل أخيرا طور التأسيس الفعلي داخل المدرسة والجامعة والإدارة والإعلام. غير أن ما حدث بعد ذلك كشف أن الاعتراف وحده لا يصنع سياسة لغوية، وأن التنصيص في الدستور لا يتحول تلقائيا إلى واقع، وأن المشروع الذي انتظره كثيرون ظل معلقا بين النصوص والوعود، دون أن يجد طريقه الحقيقي إلى المؤسسات. وهكذا بدأت تتضح ملامح ما يمكن تسميته بـالمشروع الأمازيغي المغيب، وهو مشروع حاضر في الخطاب، لكنه غائب في التنفيذ وموجود في المناسبات الرسمية، لكنه شبه منعدم في الحياة اليومية.
أول مظاهر هذا الغياب يتجلى في التعليم، وهو المجال الذي كان يفترض أن يكون القاعدة الأساسية لأي نهوض لغوي وثقافي. فبعد سنوات من إدخال الأمازيغية إلى بعض المدارس الابتدائية، ظل هذا الإدماج محدودا ومجزأ وغير متكامل، إذ لا وجود لتعميم حقيقي، ولا تكوين كاف للأساتذة، ولا وضوح في المناهج، ولا استمرارية في المسار الدراسي. فالتلميذ الذي يدرس الأمازيغية في الابتدائي لا يجدها في الإعدادي، ومن يلمسها في الإعدادي لا يجد لها أثرا في الثانوي، أما الجامعة التي يفترض أن تكون فضاء البحث والتخصص، فما تزال تعرف حضورا محتشما جدا للأمازيغية، حيث لا شعب كافية، ولا مراكز بحث قوية، ولا مشاريع أكاديمية كبرى قادرة على إنتاج معرفة علمية رصينة حول اللغة والثقافة والتاريخ.
إن غياب الأمازيغية عن الجامعة ليس مجرد خلل إداري، بل هو مؤشر على أن المشروع برمته لم يمنح المكانة التي يستحقها.
ويتكرر المشهد نفسه في المجال الثقافي والفني. فحين ننظر إلى السينما، أو المسرح، أو الرواية، أو البحث الأكاديمي، نجد أن الإنتاج بالأمازيغية ما يزال محدودا وموسميا، ويعتمد غالبا على جهود فردية أكثر مما يعتمد على سياسة ثقافية واضحة. لا توجد صناعة سينمائية أمازيغية حقيقية، ولا حركة ترجمة واسعة، ولا مجلات علمية متخصصة، ولا دعم كاف للنشر، ولا حضور قوي في المعارض والملتقيات. بل إن كثيرا من المثقفين الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الأمازيغية يكتفون بالخطاب، دون أن يساهموا في بناء مؤسسات أو مشاريع قادرة على الاستمرار. وهكذا يتحول النضال أحيانا إلى مجرد موقف رمزي، بينما يظل الواقع على حاله، وكأن القضية تستعمل أكثر مما تبنى.
أما في الإدارة والحياة العامة، فإن حضور الأمازيغية ما يزال شكليا في كثير من الأحيان. فاللافتات الثنائية لا تعني بالضرورة استعمالا فعليا، والقرارات المعلنة لا تترجم دائما إلى إجراءات ملموسة، والقوانين التنظيمية التي كان ينتظر منها أن تفتح مرحلة جديدة جاءت بطيئة في التطبيق ومحدودة في الأثر. وهذا ما جعل كثيرا من المواطنين يشعرون بأن المسافة ما تزال كبيرة بين الاعتراف والإنجاز، وأن الأمازيغية ما تزال تعيش في منطقة وسطى، حيث أصبحت ليست مهمشة كما في السابق، لكنها أيضا لم تصبح لغة حاضرة بقوة في الفضاء العمومي.
والمفارقة أن هذا الوضع يحدث في وقت يكثر فيه الحديث عن الحداثة والتعدد الثقافي والعدالة اللغوية. فالدول التي تحترم تنوعها لا تكتفي بالاعتراف الرمزي، بل تبني سياسات واضحة في التعليم والإعلام والبحث العلمي، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء للذاكرة والخيال والمعرفة. وحين تغيب اللغة عن الجامعة وعن المختبر، وعن الكتاب وعن الشاشة، فإنها تتحول تدريجيا إلى لغة احتفالية، تستعمل في المهرجانات أكثر مما تستعمل في إنتاج الفكر.
إن الحديث عن المشروع الأمازيغي المغيب لا يعني إنكار ما تحقق، ولا التقليل من أهمية الاعتراف الرسمي، بل يعني الإشارة إلى أن الطريق ما يزال طويلا، وأن الخطر الحقيقي ليس في الرفض الصريح، بل في التأجيل المستمر، وفي تحويل القضية إلى ملف إداري بدل أن تكون مشروعا مجتمعيا. فكل تأخير في التعميم، وكل غياب في الجامعة وكل ضعف في البحث، وكل تردد في القرار يساهم في إفراغ الاعتراف من معناه.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يخلق نوعا من الإحباط داخل الأوساط الثقافية والشبابية، لأن جيلا كاملا نشأ على أمل أن يرى الأمازيغية حاضرة في المدرسة والجامعة والكتاب والسينما والإدارة، لكنه يجد نفسه أمام واقع بطيء ومتردد. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الإحباط إلى لا مبالاة، وحين تصل أي قضية ثقافية إلى مرحلة اللامبالاة، فإنها تكون قد دخلت أخطر مراحلها.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس خطابات جديدة، بل إرادة حقيقية تجعل من الأمازيغية جزءا طبيعيا من الحياة العامة، لا موضوعا للنقاش الموسمي. المطلوب جامعة تفتح شعبا حقيقية، ومدرسة تعمم التعليم، ومراكز بحث تنتج المعرفة، ومؤسسات ثقافية تدعم الإبداع، وإعلام يمنح اللغة مكانها دون تردد. فالمشاريع الكبرى لا تقوم بالشعارات، وإنما تقوم بالسياسات الواضحة والاستمرارية.
إن الأمازيغية ليست ملفا تقنيا يمكن تأجيله، بل هي جزء-وربما الكل- من تاريخ هذا البلد ومن مستقبله أيضا. وكل مشروع لا يجد طريقه إلى المؤسسات يظل ناقصا، وكل اعتراف لا يتحول إلى ممارسة يبقى معلقا، وكل قضية لا تتحول إلى عمل يومي تبقى في حدود الكلام. ولذلك سيظل السؤال مطروحا:
– هل نريد للأمازيغية أن تكون حقيقة في الواقع، أم مجرد فكرة جميلة في الخطاب؟



