ما وقع في كواليس لقاء طنجة الذي انتهى الى تاجيله ثم الغائه وما سبقه في لقاء الرباط الذي اريد له بدوره ان يفصل على المقاس ليس حدثا تنظيميا عابرا بل لحظة كاشفة لعمق الازمة التي يعيشها جزء من المشهد الامازيغي اليوم فبعض اللقاءات التي ترفع شعارات الحوار الوطني وتوحيد الحركة لا يراد لها ان تكون فضاءات مفتوحة لتبادل الراي بين مختلف الفاعلين والمناضلين بل يراد لها ان تتحول الى مشاهد مضبوطة سلفا ينتقى فيها الحاضرون بعناية حتى يسهل بعد ذلك تقديمها سياسيا وحقوقيا واعلاميا كما لو انها التعبير الجامع عن الحركة الامازيغية كلها بينما هي في الحقيقة لا تعكس الا جزءا منها جرى ترتيبه ليظهر وحده ويتكلم وحده ويحتكر وحده صفة التمثيل
وكان بلاغ لقاء طنجة دالا على هذا المنطق حين اشترط على من يرغب في الحضور ان يرسل سيرته ومعطياته حتى يبت في مشاركته بل ان من حضروا لقاء الرباط انفسهم لم يعتبروا معفيين من هذا الفرز المسبق وهنا يبرز السؤال الجوهري اي حوار وطني هذا الذي يبدا بالانتقاء واي توحيد هذا الذي يبنى على القبول والمنع
اما جمعية ماسينيسا بطنجة فلا داعي لاقحامها في هذا الصراع فهي كانت تنوي بحسن نية استضافة حوار امازيغي لكن حين تبين لها ان المناخ غير ملائم وان الظروف لا تساعد على حوار جدي ومسؤول اختارت تاجيل اللقاء وهذا في حد ذاته موقف مفهوم ومحترم
في الرباط حين تم كسر منطق التفصيل المسبق بحضور اصوات لم تكن مرغوبة في المشهد المعد سلفا ارتبكت الحسابات لان ذلك الحضور جعل اللقاء يفقد جزءا من قابليته للتسويق بالصورة التي اريدت له فان تم تسويق هذه اللقاءات للاحزاب فسيكون السؤال الطبيعي كيف تقدمون انفسكم كمن يتحدث باسم الحركة الامازيغية من خارج الاحزاب او فوقها بينما داخل هذه اللقاءات مناضلون من الحركة الامازيغية يمارسون السياسة ومتواجدون في الاحزاب وفي المؤسسات وفي مختلف الديناميات العامة وان تم تسويقها لبعض الهيئات او السفارات ممزوجة بخطاب المظلومية فسيسقط هذا الخطاب من اساسه لان الواقع يكذبه فمناضلو الحركة الامازيغية ليسوا ممنوعين من السياسة كما يروج البعض بل يمارسونها فعلا ويحضرون في الفضاء الحزبي والمؤسساتي والمجتمعي وهنا بالضبط يكمن الاحراج الذي اراد البعض التخلص منه باعادة ضبط المشهد في طنجة
وليس الامر متعلقا بشخص واحد او بحالة معزولة بل بعقلية كاملة ترى في كل حضور مستقل وفي كل صوت حر وفي كل مسار لا يقبل التوظيف خطرا على سرديتها الجاهزة ولذلك لم يكن غريبا ان يستبعد عدد من الفاعلين والنشطاء او يضيق عليهم فقط لان حضورهم بدوره كان سيكسر تلك الرواية التي يصر البعض على تكرارها انهم وحدهم من يمثلون الحركة الامازيغية وانهم وحدهم من يجمعونها وانهم وحدهم من يملكون حق النطق باسمها والحقيقة ان الحركة الامازيغية اوسع من كل هذه الادعاءات واكبر من ان تختزل في لجنة او تنسيقية او دائرة مغلقة تدعي لنفسها الوكالة الحصرية
ان الامازيغية ليست ورقة للمساومة ولا موضوعا للاستثمار ولا ملفا جاهزا للتسويق انها قضية وطن وقضية وعي وقضية انصاف تاريخي وثقافي وسياسي ومن هذا المنطلق فان اختزالها في منطق الاقليات او الشعوب الاصلية فقط لان هذه التسميات تجلب دعما وتمويلات هو طرح نرفضه بوضوح نحن لا نقبل ان تسوق القضية الامازيغية بهذا المنطق ولا ان تتحول الى باب للتمويل او الى وسيلة لانتاج مظلومية مصطنعة فالمغاربة كلهم امازيغ ومعركتنا ليست معركة جهة ضد اخرى ولا معركة عرق ضد عرق بل هي معركة وعي فقط ورهاننا الحقيقي هو ان يعي كل مغربي بامازيغيته وان يستعيد هذا الوعي مكانه الطبيعي في المجتمع والدولة والمؤسسات
كما ان الحضور داخل العمل الحزبي والسياسي لا يعني ان الامازيغية بخير ولا ان الملف قد اغلق هذا فهم سطحي لا ينسجم مع حقيقة التحديات المطروحة لان الانخراط في المؤسسات ليس شهادة اكتفاء بل هو احدى ادوات الترافع من اجل الافضل ومن اجل مزيد من الانصاف في التعليم والادارة والثقافة والسياسات العمومية ولذلك فان وجود مناضلين امازيغ داخل المؤسسات لا يريح اصحاب السرديات الجاهزة لانه يقطع الطريق على من يريدون احتكار الحديث باسم الحركة او تحويل النضال الامازيغي الى رصيد تفاوضي شخصي
وحين اخترنا العمل السياسي لم نساوم برصيدنا النضالي ولم نتعامل مع تاريخنا داخل الحركة الامازيغية كفاتورة للمقايضة او كبطاقة عبور نحو المواقع بل ولجنا العمل السياسي كما يلجه اي مواطن مغربي مؤمن بالفعل المؤسساتي وبقيمة التدرج وباخلاقيات النضال وحتى عضوية المجلس الوطني لم نشا ان ننالها في بداية انخراطنا احتراما للمنطق واحتراما لتراتبية النضال وتدرجه الطبيعي لذلك اخترنا ان نبدا من القواعد وان نمر من المسار الذي يمر منه الجميع لا من باب الامتيازات الجاهزة وهذا هو الفرق بين من يحمل الامازيغية كقناعة ومسؤولية وبين من يحملها كورقة عبور او اداة تموقع فالنضال الحقيقي لا يقدم فواتير ولا يطلب مقابلا ولا يتعامل مع القضية بوصفها ريعا رمزيا او سياسيا
والاشد ايلاما ان اعداء الامازيغية من القوميين يخرجون جنبا الى جنب وكتفا الى كتف لنصرة قضايا مشرقية وجل خرجاتهم تكون ضد الوطن ومصلحة الوطن ومع ذلك استطاعت تلك القضايا ان تجمع الشيوعي والاصولي والمؤمن والملحد والعلماني والاسلامي بينما نحن لنا قضية واحدة عادلة وطنية مصيرية ومع ذلك يصر بعضنا على زرع الخلاف وافتعال التناقضات وتعميق الانقسام من اجل مصالح ضيقة وحسابات صغيرة وتموقعات لا تخدم القضية في شيء
ان الحركة الامازيغية اليوم في حاجة الى قدر اكبر من الحكمة والصدق والشجاعة في تسمية الاشياء باسمائها وفي حاجة الى من يغلبون مصلحة القضية على الحسابات الضيقة وعلى اوهام الوصاية وعلى منطق الاقصاء لان من يريد فعلا توحيد الحركة الامازيغية لا يبدا بالفيتو ولا يخاف من الحضور المختلف ولا يحتاج الى مشهد مضبوط حتى يبدو موحدا التوحيد الحقيقي لا يبنى على الفرز ولا على الابعاد ولا على صناعة واجهات صامتة بل يبنى على الانفتاح والثقة واحترام التعدد داخل البيت الامازيغي
لقد مات الحوار على اسوار طنجة لان بعض من رفعوا شعاره لم يريدوه حوارا حقيقيا من الاصل بل ارادوه تزكية جاهزة ومشهدا مرتبا وصورة قابلة للتسويق وحين استعصى ذلك انكشف المستور وسقطت فعلا دعاوى التوحيد
الامازيغية ليست ضيعة لاحد ولن تكون



