وأنا أتصفح المواقع الإخبارية، تصادفت مع خبر الحكم على بوعلام صنصال… الكاتب السبعيني الذي تنطفئ حياته تدريجيًا في سجون الجزائر، فقط لأنه تطرّق إلى تاريخ لا يحب النظام سماعه.

فكرت لوهلة: ماذا لو كنت مقيماً بالجزائر؟
راجعت مقالاتي وتدويناتي التي لا تتقاطع مع الخطاب الرسمي، بل تنتقد التاريخ الرسمي وتدعو إلى مراجعته.
فكرت كثيرًا، وحمدت أنني في المغرب.
حين يُستدعى روائي إلى ردهات الاستجواب بسبب أفكاره، ندرك أن الخوف لم يعد من الكلمات، بل من المرآة التي تعكسها. هذا ما يحدث اليوم مع الكاتب الجزائري بوعلام صنصال، الصوت الحرّ الذي تجرأ على مساءلة فكرة “الوطن” وحدوده، وتفكيك أوهام “الهوية” التي صيغت بأسلاك شائكة.
حيث تُمارس السلطة ضد صوت ثقافي ما كانت لتقلق منه لولا أنه يلمس الجرح، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في مواقفنا: هل نحن نملك الجرأة للدفاع عن حرية التعبير حين تمس رواياتها “المقدس الوطني”؟ أم أننا ننتصر للرقابة باسم الوطنية الضيقة؟
ليست المسألة في دفاع أعمى عن رجل، بل في طرح الأسئلة الصحيحة عن مستقبلنا كمغاربيين:
هل نريد أن نبني فضاءً مشتركًا يُحترم فيه الكاتب، لا أن يُحاكم؟
هل نملك القدرة على مواجهة ماضينا الاستعماري دون إعادة إنتاج مستعمرات من الخوف داخل ذواتنا؟
هل يمكن أن نخطو نحو مغرب كبير بحجم تطلعات شعوبه، لا بحجم نزعات سلطاته؟
بوعلام صنصال لم يفعل سوى ما يفعله كل كاتب حقيقي: نبش في وجع التاريخ، وتساءل عن الهوية، وكتب عن الحدود لا كواقع جغرافي، بل كقيد ذهني.
بوعلام صنصال لا يدفع فقط ثمن رأيه، بل يدفع فاتورة مجتمع لم يتصالح بعد مع تاريخه، ولم يكتسب بعد الشجاعة ليقرأ هذا التاريخ كما هو، لا كما يُملى عليه. إنّ محاكمته هي محاكمة للرواية البديلة، محاكمة للمخيال الحر، محاكمة لحق الشعوب في فهم ماضيها بعيونها لا بعيون السلطة.
وهو في ذلك لم يختر عدواً، بل اختار أن يفكك خطاب الكراهية والانغلاق الذي سمّم العلاقة بين شعوب الجوار. لم يتردد في نقد الجماعات المتطرفة، ولم يساير خطابا رسميا لتبرير القمع. لذلك، يُراد اليوم لكتبه أن تُدفن، ولصوته أن يُخرس.
لكن الحقيقة الأشد مرارة أن هذا الصمت لا يُفرض فقط من الدولة، بل تتواطأ فيه مؤسسات حقوقية ومثقفون، يلوذون بالحياد أو يتوارون خلف حسابات أيديولوجية.
من المخزي أن تصمت أصوات كانت ترفع شعارات الدفاع عن حرية الرأي حين كان الأمر يتعلق بخارج الحدود، لكنها تخرس اليوم أمام استدعاء كاتب لأنّه كتب.
كأنّ الحريات تُقاس بجنسية حاملها، أو بتطابق أفكاره مع هوى الجماعة.
في المغرب، حين نسمع ما يتعرض له بوعلام صنصال، لا يمكن إلا أن نستحضر تلك اللحظة التي حج فيها أجدادنا من الريف إلى جبال الجزائر، للمشاركة في حرب تحريرها من الاستعمار. لم يسألوا عن الحدود، ولم يبحثوا عن وثائق عبور.
كانت هناك هوية مغاربية عفوية، حقيقية، لا تشبه صيغ البيانات المشتركة بين الأنظمة.
هؤلاء الأجداد، الذين سالت دماؤهم في سبيل حرية بلد جار، يرفضون من ذاكرة الغياب أن يُعاد تقسيمنا اليوم إلى شعوب مفصولة بأسلاك استعمارية، عوض أن نكون أممًا متصالحة مع نفسها.
من منظورنا في المغرب، تحمل قضية صنصال رمزية خاصة وموجعة. فزنزانته في الجزائر هي النسخة المصغّرة من حدود “زوج بغال” المغلقة. كلاهما جدارٌ أُقيم لفرض قطيعة مصطنعة بين شعبين شقيقين. كلاهما رمز لإرادة سياسية ترفض المصافحة، وتخشى أن يكتشف الإخوة أنهم ما زالوا إخوة. حاول صنصال بفكره أن يعبر هذه الحدود الفكرية، فكان جزاؤه جدرانًا من الإسمنت والقضبان.
ودعوات جلالة الملك بفتح الحدود ومدّ يد المصالحة، ستظل شاهدة على من اختار القطيعة بدل اللقاء، والتقسيم بدل الالتحام.
نعم، نحن نعيش في زمن حدود وهمية: حدود في الفكر، في الثقافة، في الإنسان.
بين شعبين يتقاسمون الذاكرة والمصير، لا تزال تقام الجدران بحجة السيادة والعداوة السياسية.
لكن الأدب، حين يكون صادقًا، ينسف هذه الحدود. وصوت بوعلام صنصال ليس سوى مرآة لهذه الرغبة في فتح العقول قبل المعابر.
إنّ محنة صنصال تضعنا أمام سؤال أكبر:
هل نقبل أن نكون أوفياء لذاكرة الأجداد الذين حلموا بمغرب كبير، أم سنواصل إعادة إنتاج انقسامهم؟
هل نملك الشجاعة لقول إن الحرية، مثل القمع، لا وطن لها، وأنه لا يمكن لوطن أن يُبنى على إسكات من يكتب، أو نفي من يحلم؟
ما يُحاول النظام الجزائري طمسه اليوم، هو هذا الصدى الأمازيغي–المغاربي الذي لا يخضع لحدود الجغرافيا.
وبوعلام صنصال، حتى في لحظة التضييق، يبقى شاهدًا على هذا الصوت.
صوتٌ، إن صمت اليوم، نخشى أن يكون غيابه غدًا هو غيابنا جميعًا.




