
غدا المجلس الوطني. وأخاف أن نمر عليه كما مررنا على محطات كثيرة: كلام كثير، وحذر أكثر من اللازم، ثم نرجع إلى النقطة نفسها. الحزب لم يعد يحتمل أن يدور في المكان نفسه. والناس خارج البيت لا تسألنا عن ترتيب المقاعد… تسألنا عن شيء واحد: هل ما زال هذا الحزب يملك روحا ومشروعا، أم صار يشتغل بالعادة فقط؟
وأقولها بوضوح: القيادة الحالية في الحزب فيها كفاءات وتجارب، وقادرة أن تدبر الحكومة وتشتغل وتنجز. هذا ليس موضع شك عندي. لكن الذي تغير هو نوع اللحظة. الحكومة المقبلة ليست حكومة عادية، ولا تقاس فقط بتركيبة الحقائب أو توازنات اليوم بيومه. نحن نتحدث عن “حكومة المونديال”، وعن عتبة مغرب ما بعد 2030؛ لحظة تختبر فيها الدولة قدرتها على الإنجاز، وتختبر فيها الأحزاب عمقها ووحدتها وثقتها في نفسها.
قبل مؤتمر بوزنيقة كانت أغلب المنابر تخرج علينا بنفس العنوان: قيادات البام تتصارع على الكرسي. عناوين تجر عناوين، وتحليل يكرر التحليل، حتى صرت أقرأ الجملة نفسها بحروف مختلفة. لكن وسط هذا الضجيج كان سؤال واحد غائبا، وهو الأهم: لماذا ولد هذا الحزب أصلا؟
الحزب لم يولد صدفة. ولد في لحظة كانت فيها تيارات أصولية تبتلع دولا وتكسر مجتمعات، وكانت بعض القوى المحسوبة على الحداثة تهادن الإخوان أو تتحالف معهم على حساب المبادئ. جاء البام ليسد الفراغ، وليقول بوضوح إن الدولة لا تسلم مجتمعها للخوف والمجهول. هذه الروح بالذات هي التي نحتاج استعادتها اليوم… قبل أي شيء آخر.
في تلك الأيام تواصل معي إعلاميون يبحثون عن اسم “الرابح” في سباق الزعامة. وقلت لهم ما بدا شاذا عن التيار: ما أراه ليس صراعا بقدر ما هو زهد. لا أحد يريد أن يتحمل مرحلة انتقالية وحده، والحزب قد يجد نفسه أمام مؤتمر استثنائي قبل الانتخابات. وسميتها يومها لأول مرة: “حكومة المونديال”. ترددت منابر في نشر التصريح لأنه لا ينسجم مع السرد السائد، ثم جاء المؤتمر ليؤكد تلك القراءة.
وإذا كانت تلك التسمية قد بدت للبعض مبالغة، فهي اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت. 2026 ليست رقما في الأجندة الانتخابية. هي سنة سيظهر فيها كل شيء: من يملك نفسا طويلا، ومن يكتفي بعبور انتخابي آخر ثم يعود إلى الأعذار نفسها. نحن أمام عتبة مغرب ما بعد 2030 — مغرب لن يقبل بأنصاف الحلول، ولن يحتمل انتقالا لا ينتهي.
الرهانات اليوم أكبر من التدبير اليومي ومن توزيع الحقائب. سؤال العدالة المجالية يسمع في كل قرية من الأطلس، وفي كل حي على هامش المدينة. وسؤال الثقة بين المركز والجهات صار يطرق الباب بقوة. والخلاصة التي يسمعها الناس في الشارع أبسط من كل هذا: هل الدولة حاضرة بنفس القوة في كل مكان، أم ما زلنا نعيش بإيقاعين؟
مشروع العهد الجديد الذي ولد البام أصلا ليواكبه لم ينزل بعد كما ينبغي. بقيت منه روح كبيرة، لكن التنفيذ لم يصل دائما إلى العمق. والعمق هنا ليس العاصمة وحدها، بل حيث ينتظر الناس أن يروا أثرا ملموسا في حياتهم اليومية. ما نحتاجه اليوم ليس جلد الذات، بل ترتيب البيت: أن نجمع من يشتغل اليوم مع من راكم التجربة بالأمس، وأن ننهي الانتقال لا أن نطيله بتوازنات قصيرة النفس.
ولهذا تعود الأسئلة نفسها، وبقلق أكبر: هل نوحد القيادة ونحسم؟ أم نفتح باب مؤتمر استثنائي؟ الذي لا أريده غدا هو أن تتحول “السيناريوهات” إلى طريقة مهذبة للهروب من القرار. التأجيل لا يرمم شيئا. التأجيل يبرد البيت أكثر.
تطرح أسماء كثيرة، ويتداول اسم فوزي لقجع كما يتداول غيره. والرجل يستحق التقدير لما راكمه للمغرب داخل الفيفا والكاف، خصوصا ونحن على أعتاب المونديال. لكن هذا الخيار يصطدم بتناف واضح: لا يمكن لرجل بهذا الوزن في المؤسسات الرياضية الدولية أن يدخل قيادة حزبية بهذه البساطة. ثم إن المغرب لا يملك ترف المغامرة برصيده هناك في هذا التوقيت… نحتاج كل ما راكمناه، لا أن نبدده.
أما الأمناء العامون السابقون والرموز التاريخية، فعودتهم إلى واجهة الحزب وهياكله ضرورة وليست ترفا. حزب يضع ذاكرته خارج الصورة يصبح كأنه يبدأ كل مرة من الصفر. لكن أن يعود أحدهم إلى قيادة تنفيذية من جديد يصطدم بعرف الحزب: لا ولايتين. ثم هناك واقع يعرفه من عاش البيت من الداخل: الانقسام ترك بصمته — بدرجات مختلفة — على أسماء سابقة وحالية. لا أقوله للتجريح، بل لأننا إن لم نعترف به سنظل ندور حول الجرح ونستغرب لماذا لا يلتئم.
وهنا بالضبط، حين نبحث عن صيغة تجمع ولا تستفز، وتمنح القيادة الحالية سندا رمزيا وسياسيا بدل أن تتركها وحيدة أمام كلفة لحظة استثنائية، يتقدم اسم واحد تقريبا: فؤاد عالي الهمة. ليس لأنه “بديل” عن أحد، بل لأنه مرتبط بالمشروع من حيث هو مشروع — هندسة وهوية وعمق — ولأنه ظل بعيدا عن المعارك الصغيرة التي أكلت منا الوقت والناس، ولم يتول منصبا تنظيميا داخل الحزب قط.
ومن يعرف الهمة يعرف أنه لا يظهر إلا حين تكون الكلفة حقيقية. الرجل سبق أن خرج من وزارة الداخلية في لحظة كانت البلاد تحتاج تأسيسا سياسيا جديدا، وفضل كلفة القرار على راحة الموقع. إن كانت تلك لحظة تأسيس، فنحن اليوم أمام لحظة إتمام: مغرب العهد الجديد يدخل بوابة أكثر حساسية، والانتقال طال بما يكفي. لذلك يبدو منطقيا أن يطلب من مهندس الفكرة أن يظهر في واجهة التجميع والتوحيد، لا أن يبقى اسمه معلقا فوق البيت.
ومع ذلك، يجب أن يكون الأمر واضحا: عودة الهمة ليست دعوة لاستدعاء فرد يبتلع الحزب. إذا كانت هناك لحظة تحتاج “وليفة” فهي هذه: الهمة في الواجهة كعنوان يجمع ولا يفرق، ومعه الأمناء العامون السابقون والمؤسسون بلا مجاملة ولا ديكور، والقيادات الحالية تشتغل وتنفذ وتتحمل مسؤوليتها كاملة، والجيل الجديد يأخذ مكانه دون أن يطلب منه قطع جذوره. ثم التيار الريفي وكل روافد المغرب العميق يعود إلى مركز القرار لا كزينة انتخابية، بل كجزء من هوية الحزب وبوصلته الأخلاقية.
غدا، لا نحتاج خطابة إضافية — نحتاج قرارا يدفئ البيت وينهي الانتقال. لأن أسوأ ما قد يحدث هو أن نخرج ونحن نردد: “سنرى لاحقا”. “لاحقا” هذه هي التي قتلت الزمن داخلنا، حتى صرنا نتعايش مع الأزمة وكأنها أمر عادي.
غدا، إما طريق واضح نحو 2026… ونحو ما بعدها، أو الحكاية نفسها بأسماء جديدة.
والبيت… إذا طال عليه الانتظار… يبرد.




