بقلم، إلياس الخطابي
لم يكن الأدب في أي مرحلة من تاريخه، فعلا سهلا أو مهنة خفيفة يمكن اقتحامها بلا كلفة. الكتابة الأدبية كانت دائما مرتبطة بالمعاناة وبالقلق وبالشك، وبذلك الإحساس المؤلم بأن اللغة قاصرة دائما عن قول ما ينبغي قوله. لهذا ظل الأدب عبر الأزمنة مساحة نادرة، لا يدخلها إلا من قبلوا أن يدفعوا ثمنها وجوديا وجماليا. أما اليوم فنحن نعيش لحظة مقلقة يمكن وصفها بلا مبالغة بأنها لحظة هشاشة شاملة للإبداع، حيث صارت الكتابة مستسهلة، والصفة الأدبية تمنح بسخاء، بينما الأثر، وهو جوهر الأدب يتآكل إلى حد الاختفاء.
ما يلفت الانتباه في المشهد الأدبي المعاصر ليس غياب الكتاب، بل وفرتهم المفرطة. الجميع يكتب، والجميع ينشر ويعرف نفسه بوصفه شاعرا أو روائيا أو كاتبا، لكن القليل جدا يترك أثرا حقيقيا في الوعي والذاكرة. النصوص تتكاثر لكن لا شيء يبقى. كأننا أمام أدب بلا ذاكرة أو كتابة بلا تاريخ. تقرأ الرواية وتنسى، يتداول الديوان أياما ثم يختفي، وتتحول الكتابة إلى حدث عابر لا إلى تجربة ممتدة. وهذا في حد ذاته مؤشر خطير، لأن الأدب الذي لا يحدث رجة داخل القارئ، ولا يغير شيئا في نظرته إلى العالم، يفقد مبرر وجوده.
حين نعود إلى أسماء مثل حنا مينه أو محمود درويش، عبد الرحمن منيف، محمد زفزاف، لا نفعل ذلك من باب النوستالجيا أو الحنين الرومانسي، بل لأن أعمالهم تذكرنا بما كان يعنيه الأدب يوما. حنا مينه مثلا لم يكتب البحر بوصفه خلفية جمالية، بل بوصفه قدرا إنسانيا، ولم يصنع شخصياته من ورق، بل من لحم البؤس والصراع. محمود درويش لم يكتب الشعر ليزين اللغة، بل ليحمل هوية، سؤال وجود، جرحا مفتوحا على التاريخ. هؤلاء لم يتركوا أثرهم لأنهم كانوا أفضل لغويا فقط، بل لأنهم كتبوا من منطقة الخطر، من حيث يصبح الأدب مسألة حياة أو موت رمزي.
اليوم، على العكس من ذلك، يبدو أن الكتابة فقدت علاقتها بالخطر. النص يكتب بسرعة، وينشر بسرعة، ويستهلك بسرعة. لا وقت للتأمل، ولا صبر على إعادة الكتابة، ولا خوف من الرداءة. كأن الكاتب المعاصر يخشى الصمت أكثر مما يخشى النص السيئ. وهنا تتجلى إحدى أخطر مظاهر الأزمة، وهي غياب الصرامة الداخلية. الكاتب لم يعد عدو نفسه، بل صار متواطئا معها، يرضى بالقليل، ويبرر الهشاشة باسم الحرية، أو التجريب، أو كسر القوالب، بينما هو في الحقيقة يهرب من مواجهة السؤال الجوهري وهو:
-هل هذا نص يستحق أن يكتب؟
غير أن مسؤولية هذا الانحدار لا تقع على الكاتب وحده. فدور النشر التي كان يفترض أن تلعب دور الوسيط النقدي بين النص والقارئ، تخلت في كثير من الحالات عن وظيفتها الثقافية، وتحولت إلى مشاريع تجارية صرفة. لم يعد النشر فعل اختيار، بل فعل طباعة. لم يعد النص يفحص، بل يمرر فحسب. صار بإمكان أي شخص أن ينشر ما يشاء، ومتى شاء، ما دام قادرا على الدفع أو على جلب جمهور افتراضي. وهكذا اختلط الرديء بالجيد، وتساوى النص العميق مع النص السطحي، لأن المعيار لم يعد الجودة، بل قابلية التسويق.
أما المؤسسات الثقافية والجهات الوصية، فهي شريك صامت في هذه الجريمة البطيئة. جوائز تمنح بلا معايير شفافة، لجان تحكيم تغير ذائقتها حسب المزاج أو التوازنات، معارض كتب تتحول إلى أسواق ضخمة بلا رؤية ثقافية، حيث يقاس النجاح بعدد الزوار لا بنوعية النقاش. في هذا المناخ، يدفع الكاتب الجاد إلى الهامش، لأنه بطيء، معقد، غير قابل للاستهلاك السريع، بينما يكافأ النص السهل لأنه ينسجم مع إيقاع السوق.
وتأتي واقعة نشر رواية مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، وما أثارته من جدل في معرض الكتاب بالقاهرة، لا بوصفها حدثا استثنائيا، بل كعلامة كاشفة عن عمق الأزمة. فالفضيحة الحقيقية ليست أن آلة كتبت نصا، بل أن هذا النص مر، ونشر، وربما احتفي به، دون أن يثير شكا جديا حول مصدره أو قيمته. وهذا يعني أن المشهد الأدبي صار هشا إلى درجة أن غياب التجربة الإنسانية لم يعد عيبا واضحا. حين يصل الأدب إلى هذه النقطة، يكون قد فقد أحد شروطه الأساسية التي أن يكون تعبيرا عن ذات تعيش وتختبر وتخطئ وتتألم.
وأنا أكتب هذه المقالة يبدو لي أن الأدب ليس مجرد لغة صحيحة أو حبكة محكمة، بل هو أثر إنساني، وصدى تجربة، واحتكاك حقيقي بالعالم. لا يمكن تعويض هذا الأثر بالتقنيات، ولا بالذكاء الاصطناعي، ولا بالزخرفة الأسلوبية. حين يفرغ الأدب من الإنسان، يتحول إلى تمرين لغوي بارد وقابل للاستنساخ، وهذا ما يجعل فكرة اغتيال الأدب، او اغتيال الرواية، كما كتب الكاتب المغربي عبده حقي، ليست مبالغة، بل توصيفا دقيقا لعملية بطيئة، صامتة، لكنها مستمرة.
ومع ذلك، لا ينبغي السقوط في خطاب النواح أو إعلان نهاية الأدب. الأدب لا يموت، لكنه ينسحب حين يخنق. يلوذ بالهامش، بالصمت، بالقلة التي لا تكتب كثيرا، لكنها تكتب بوجع. هناك دائما من يشتغلون في الظل، يقرأون أكثر مما ينشرون، يخافون من النص قبل أن يواجهوا القارئ، ويعرفون أن الكتابة ليست حقا مكتسبا، بل امتحان دائم. هؤلاء وحدهم يمثلون إمكانية الخلاص، لا لأنهم أفضل أخلاقيا، بل لأنهم ما زالوا يؤمنون بأن الأدب مسؤولية ثقيلة، لا لعبة لغوية.
إن إنقاذ الأدب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بل إلى مزيد من الصمت المنتج. لا يحتاج إلى مزيد من الكتب، بل إلى مزيد من القسوة على النص. قسوة الكاتب على نفسه، قسوة الناشر على الرداءة، وقسوة المؤسسة على التفاهة. بدون هذه القسوة، سنواصل العيش في وهم الإبداع، بينما يغتال الأدب بهدوء، تحت أنقاض السهولة والاستسهال.
الأدب الذي لا يترك أثرا ليس أدبا، مهما كثرت صفحاته، وتعددت نسخه، وتزينت أغلفته. الأدب في النهاية حسب ما أعرفه، هو ما يبقى حين يزول الضجيج. وكل كتابة لا تراهن على هذا البقاء، لا تفعل سوى إضافة نص آخر إلى مقبرة النصوص المنسية.



